ما مدى تغلغل التيار "الجهادي" الذي تمثله القاعدة أو جماعات أخرى، داخل التيار السلفي في المغرب العربي، وهل تؤيد رأي بعض الخبراء الذين يرون بأن الجماعات الجزائرية تشكل النواة الصلبة للسلفية الجهادية في هذه المنطقة؟
يمكن القول إن التيار السلفي الجهادي المنضوي تحت تنظيم القاعدة أو تحت جماعات أخرى من بلدان المغرب العربي شهد مدّا منذ حرب الخليج وأحداث الحادي عشر من سبتمبر. ومنذ2001 انتظم الكثير من الشباب المغاربي خاصة في الجزائر وموريتانيا في التيار السلفي الجهادي، وساعده على ذلك انتشار أشرطة أسامة بن لادن وكتابات أبو قتادة وأبو محمد المقدسي و أبو مصعب السوري وبعض كتابات ناصر الدين الألباني.
الجماعات السلفية الجهادية الجزائرية تشكل النواة الصلبة لتنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"
ومن خلال حوارات أجريتها مع عناصر سابقين في تيار السلفية الجهادية بموريتانيا تأكد وجود عناصر قديمة من التيار السلفي الجهادي في موريتانيا كانت تعتبر بمثابة ملاذ لهؤلاء الشباب، حيث يتم تكوينهم و تأطيرهم وإرسالهم إلى الساحة الجزائرية وذلك منذ 2001 أي مع وصول وسيطرة جماعة " حطاب" و "درودقال" على التنظيم الجهادي المسلح بالجزائر،علما وأن عبد الملك درودقال هو الذي يترأس حاليا تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، ويعرف باسم أبو مصعب عبد الودود الذي أعلن مؤخرا عن إعدام الرهينة الفرنسي جرمانو .
وما من شك أن الجماعات الجزائرية تشكل النواة الصلبة للسلفية الجهادية في منطقة المغرب العربي،( بما يقارب 90% من عناصر التنظيم) ولا غرابة في ذلك، إذ أنها، تاريخيا، كانت السباقة إلى العمل المسلح من خلال جماعة مصطفى بويعلي في بداية ثمانينات القرن الماضي(1982).
هل يقدر عدد الجهاديين في المغرب العربي بالعشرات أم بالمئات أم بالآلاف؟
بالنسبة لطبيعة تنظيم جهادي مسلح لا يمكن الحديث عن آلاف، بل عن عشرات ومئات. وتحتضن الجزائر العدد الأكبر بـ 850 شخصا تقريبا حسب إحصائية 2005 تليها موريتانيا بـ 160 شخصا.
أما في المغرب وتونس فينحصر العدد في 15 فردا وينزل في ليبيا إلى أقل من عشرة ، وفي النيجر 4 أفراد ومالي 3 أفراد، وهذه الأرقام تشمل الخلايا الفاعلة والمهيكلة Hard Cores ولا تشمل الأنصار العاديين والمتعاطفين.
إن هذه الأرقام تقريبية ولكنها الأقرب للواقع وهي تؤكد أن الجزائر تمثل المحرك لتيار السلفية الجهادية بثقلها العددي واللوجستي في حين اختص رموز التيار الموريتاني بالجانب التنظيري والعقائدي. وقد استفادت الجماعات المسلحة بالجزائر من تداعيات توقيف المسار الانتخابي سنة 1991 وما خلفته من أزمة داخل المعارضة والسلطة الجزائرية، إذ مست الاغتيالات السياسية رموزا في الحكم وآخرين من مختلف التيارات السياسية.
لماذا تتجه المواجهات الميدانية في السنوات القليلة الأخيرة بين سلطات دول المنطقة والجماعات السلفية الجهادية إلى منطقة الصحراء الكبرى، هل ذلك فقط لاعتبارات إستراتيجية أمنية ومالية، أم لأن هنالك امتدادات سلفية لهذه الجماعات في بلدان الساحل الإفريقي(نيجيريا، مالي...)؟
تتجه المواجهة الميدانية بين سلطات دول المنطقة والجماعات السلفية الجهادية إلى منطقة الصحراء الكبرى لاعتبارات متعددة أمنية واقتصادية بالأساس. فبعض خلايا تنظيم "القاعدة بالمغرب الإسلامي" المتواجدة في النيجر ومالي وتشاد لا يعول عليها في الجانب التنظيري أو الدعوي، فهي كتائب مسلحة يقودها جزائريون مثل بلمختار (والمعروف بمختار الأعور) وأبو زايد تنتدب في صفوفها بعض المرتزقة الأفارقة، وقد نجحت في تنفيذ عدة عمليات اختطاف لسياح أجانب قامت بنقلهم إلى المناطق الصحراوية التي يسيطرون عليها لتساوم بهم بعد ذلك من أجل الحصول على مبالغ مالية متفاوتة الأهمية.
أعليه علاني في حديث مع الزميل منصف السليمي حول كتابه" الحركات الإسلامية في المغرب العربي"
وهكذا فإن أهمية منطقة مثلث الصحراء بالنسبة للجهاديين بالمغرب العربي تنبع من كونها منطقة شاسعة المساحة تصعب مراقبتها بدقة ولهذا السبب يتَحالف عناصر القاعدة مع زعامات قبلية بهذه المنطقة ومع محترفي التهريب خدمة لمصالحهم المشتركة.
وتعتبر منطقة مثلث الصحراء الرابطة بين موريتانيا والجزائر ومالي مصدر تمويل مهم لأنشطة القاعدة، حسبما أكده لي بعض عناصر التيار الجهادي المفرج عنهم مؤخرا، ويتمثل في استخلاص إتاوات على تهريب السجائر والمخدرات التي تعبر طرقا بين مالي وموريتانيا والجزائر والمغرب حتى تمرّ السيارات التي تحمل هذه البضائع بسلام لأنها تقطع طرقا غير مراقبة وغير آمنة. وهناك عمليات عسكرية يقوم بها التنظيم الجهادي في أماكن متفرقة من المغرب العربي خاصة في الجزائر وموريتانيا يغنم منها قطعا من السلاح يتم بيع البعض منه إلى المقاتلين في الحركات المتمردة شمال التشاد والنيجر.
وتدر هذه العمليات على تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي أموالا طائلة تقدر بملايين الدولارات، بالإضافة إلى عمليات الأسر والاختطاف التي يصحبها طلب الفدية، وهنا تشكل منطقة المثلث الصحراوي الملاذ الآمن الذي تتم فيه مختلف هذه العمليات بما فيها التفاوض من أجل إطلاق سراح الأسرى وتبييض الأموال وعقد بعض الصفقات.
إن الاعتبارات الأمنية والاقتصادية المشار إليها آنفا لا تمنعنا من الإشارة إلى أن هناك امتدادات سلفية في بلدان الساحل الإفريقي مثل نيجيريا ومالي، لكنها أقرب إلى السلفية "العلمية" منها إلى السلفية الجهادية، وذلك بحكم تأثير الحركات الصوفية في هذه المناطق منذ أمد بعيد.
ما هو تقييمك للسياسة التي تتبعها الدول الأوروبية تجاه المسألة السلفية؟
ليس هناك سياسة أوروبية موحدة تجاه المسألة السلفية، فرغم أن هناك اتفاقا حول مبدأ الحرب على الإرهاب، إلا أن الوسائل تختلف من بلد إلى آخر، ففرنسا مثلا تنتهج أسلوب الإجراءات الاستباقية لدرء ما تراه خطر الإرهاب كالتهجير القسري لبعض الأشخاص الذين تعتبرهم خطرا على أمنها الداخلي وتنظيم حملات إعلامية حول الهوية والاندماج لدى صنف من المهاجرين الذين يهددون في رأيها القيم اللائيكية للجمهورية الفرنسية من خلال ارتداء بعض أنواع اللباس.
خارطة العمليات الإرهابية التي نفذتها القاعدة في أوروبا
وهناك انجلترا وألمانيا وإسبانيا مثلا الذين يتعاملون مع المسألة السلفية حالة بحالة، إذ لا يتدخلون في السلوك الفردي للأشخاص ويقتصر تدخلهم على الممارسات التي تمثل انتهاكا واضحا للقانون. إن هذا التباين في التعامل بين الدول الأوروبية تجاه المسألة السلفية هو نتاج اختلاف في المقاربات من ذلك مثلا موقف ليزا ماننغهام المديرة السابقة للأمن الداخلي في بريطانيا التي صرحت مؤخرا (يولويو- تموز 2010) أن الحرب على العراق وأفغانستان زادت في خطر الإرهاب ودعمت التيارات الجهادية، في حين نجد في إيطاليا وسويسرا صعودا فجئيا لظاهرة الإسلاموفوبيا، وقد تمكن مؤخرا اليمين في سويسرا مثلا من كسب استفتاء شعبي (رغم أنف الحكومة) يقر بمنع بناء المآذن درءا لما يسميه بخطر أسلمة المجتمع السويسري. ولا شك أننا نجد أيضا وراء هذا التباين في المواقف الأوروبية تجاه المسألة السلفية خلفيات اقتصادية وإستراتيجية أمنية.
إلى أي حد يمكن للتجارب الديمقراطية السائدة ببلدان المغرب العربي (مع اختلاف مساراتها) أن تحصّن مجتمعات المنطقة من الخطر السلفي؟
التجارب الديمقراطية السائدة بالبلدان المغاربية ما زالت حديثة وهشة ولذلك تجدها تلجأ غالبا إلى المقاربة الأمنية في مواجهة التيارات السلفية المتشددة ولا تكاد السجون المغاربية تخلو من معتقلين ينتمون للسلفية الجهادية، وإن كان ذلك بنسب متفاوتة. وأعتقد أن المقاربة الأمنية – وإن كانت ضرورية لحفظ الاستقرار- فإنها لا تكفي للتصدي لخطر التيارات السلفية المتشددة. وبقدرما تنتهج أنظمة الحكم المغاربية تنمية اقتصادية متوازنة وعادلة ترفع من نسبة النمو وتقلص من البطالة وجيوب الفقر وتقضي نهائيا على الأمية (التيارات المتطرفة تنتعش غالبا في بيئة يسيطرعليها الفقر والأمية.
وقد ذكرت إحصاءات حديثة للأمم المتحدة أن عدد الأميين بالمغرب العربي يفوق عشرة ملايين فرد). وبقدر ما تلائم دول المنطقة تشريعاتها في اتجاه دعم تحرّر المرأة والمراهنة بجدية وبشكل فاعل على الشباب، باعتباره يشكل أكثر من نصف المجتمع ، وبقدر ما تُطور من رصيدها الديمقراطي ومؤسساتها التمثيلية، وبقدر ما تنمى من فضاء الإعلام الحر وترسخ قيم الحداثة والتسامح والتنوير والعقلانية في أنظمتها التربوية، وبقدر ما تكون سياساتها الخارجية تستند إلى الشرعية الدولية ولا تتعارض مع مصالح شعوبها القومية، فإنها تمتص جزءا كبيرا من النقمة التي يحملها المتشددون. ولا يجب برأيي أن نخشى من فتح حوارات وطنية حول المسألة السلفية تُدعى لها كل الأطراف دون استثناء لأن تفكيك الألغام أفضل من تجاهلها.
أجرى الحوار: منصف السليمي / تونس
مراجعة: هشام العدم
حقوق النشر: قنطرة 2010